ابن ميثم البحراني

146

شرح نهج البلاغة

الكتاب . قلت : بل فينا وفيهم . فكتب معاوية إلى عثمان يشكو منّى في ذلك فكتب إلىّ أن أقدم علىّ فقدمت عليه فأمثال الناس علىّ كأنّهم لم يعرفوني فشكوت ذلك إلى عثمان فخيّرني فقال : أنزل حيث شئت فنزلت الربذة . وهذا قول من نزّه عثمان عن ظلم أبى ذرّ ونفيه . إذ كان خروجه إلى الربذة باختياره ، وقيل : بل كان يغلَّظ القول في إنكار ما يراه منكرا وفي حقّ عثمان ، ويقول : لم تبق أصحاب محمّد على ما عهد . وينفرّ بهذا القول وأمثاله عنه . فأخرجه لذلك ، وخطابه عليه السّلام لأبى ذرّ أليق بالقول الثاني . فقوله : إنّك عضبت للَّه . شهادة له أنّ إنكاره لما ينكره إنّما يقصد به وجه اللَّه تعالى . وقوله : إنّ القوم خافوك على دنياهم . أي على أمر الخلافة بالتنفير عنهم ، وخفتهم على دينك باجتناب موافقتهم وأخذ عطائهم على غير السنّة . وقوله : فاترك . إلى قوله : منعوك . أي اترك لهم دنياهم وأنج بدينك فما أحوجهم إلى دينك وأغناك عن دنياهم . وقوله : ستعلم من الرابح غدا والأكثر حسّدا . أشار به إلى يوم القيامة ، وظاهر كون تارك الدنيا أربح من المقبل عليها . وأكثريّة الحسّد من لواحق أكثريّة الربح . وقوله : ولو أنّ السماوات . إلى قوله : مخرجا . بشارة له بخلاصه ممّا هو فيه من ضيق الحال بسبب الإخراج ، وشرط في ذلك تقوى اللَّه إشارةً إلى قوله تعالى « ومَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً » ( 1 ) قال ابن عبّاس قرء رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ومن يتّق اللَّه يجعل له مخرجا ، قال : من شبهات الدنيا ، ومن غمرات الموت وشدائد يوم القيامة . وظاهر كون التقوى عند استشعارها سببا قاطعا لطمع المتّقى من الدنيا وقيناتها ، وهو مستلزم لراجيه من مجاذبة النفس الأمّارة

--> ( 1 ) 65 - 2 .